فصل: مسألة صفة المؤمن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة سكنى البلد الذي تظهر فيه المناكر:

في كراهية سكنى البلد الذي تظهر فيه المناكر ظهورا لا يقدر على تغييرها قال: وسمعت مالكا ذكر مرانطابلس في آثارها فقال: ما يعجبني سكنى هذه البلدة، وقال سعيد بن المسيب: إذا جئت قوما لا يوفون بالمكيال أو الميزان فأقل اللبث معهم، وإن حديث سعيد بن المسيب أيسر شدة مما ذكرتم.
قال محمد بن رشد: قوله في أثرها يريد في أثر أهلها مما يضيفون ويبيحون لهم ما لا يجوز مثل الربا وشبهه، والله أعلم، فكره السكنى معهم لذلك، كما كره سعيد بن المسيب المقام مع القوم الذين لا يوفون بالمكيال ولا بالميزان.
والسكنى معهم مكروه لوجهين، أحدهما: مخافة أن يعاقبهم الله على فعلهم فتأخذه العقوبة معهم، فقد روي «أن أم سلمة قالت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال رسول الله: نعم إذا كثر الخبث»، وكان عمر بن عبد العزيز يقول ما يقال إن الله تعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحلوا العقوبة كلهم، والوجه الثاني: إذا عملوا بالربا ولم يوفوا بالمكيال والميزان فقد خالط مالهم الحرام والحلال، ولا ينفك من سكن معهم من معاملتهم، ومعاملة من خالط الحرام ماله مكروهة، ووقع في بعض الكتب، وسمعت مالكا يذكر أمر أنطابلس في أمر آبارها بالباء المعجمة من أسفل، فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك على هذا أن آبارها ينضب الماء عنها فيضطر جميعهم إلى الغسل والوضوء والشرب من أجبابها ومراجلها، ولا يوقن بطهارة مائها؛ لأنه من ماء المطر يشرب إليها حتى يجتمع فيها، فقد تمر على المواضع النجسة، وقد تقع فيها النجاسات وتموت فيها الدواب، وتختلف في أخذ الماء منه أيدي الناس، ومنهم الجنب والحائظ ومن لا يتحفظ بدنه فيتوقى من النجاسة على ما يجب، فكره سكناها لذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم التنعم بالحلال:

في التنعم وزي العجم قال مالك: قال عمر: وإياكم وهذا التنعم وزي العجم.
قال محمد بن رشد: أما التنعم بالحلال فهو حلال وإن كان لابد من السؤال عنه، قال الله عز وجل: {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] وقال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لتسألن عن نعيم هذا اليوم في الطعام» الذي كان عمله لهم أبو الهيثم بن التيهان، وقد كان صنع لهم خبزا من شعير، وذبح لهم شاة، واستعذب لهم ماء، لكنه يكره من أجل أنه إذا اعتاد التنعيم فيما رزقه الله من المال قل فعله للخير فيه، وقد قال عمر بن الخطاب: إياكم واللحم فإن له ضراوة الخمر، وأدرك جابر بن عبد الله ومعه جمال لحم فقال ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين قرمنا إلى الفحم فاشتريت بدرهم لحما، فقال عمر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو ابن عمه، أين تذهب هذه الآية؟ {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20].
وأما زي العجم فمكروه للتشبه بهم، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «من تشبه بقوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله» وقد جاء في لابسه أنه ملعون، وكذلك سيوفهم وشكلهم وجميع زيهم فهو مثله في اللعنة والكراهة، وروي «عن علي بن أبي طالب أن رسول الله نظر إلى رجل متنكب قوسا فارسية، فقال له يا صاحب القوس ألقها عنك فإنها ملعونة ملعون حاملها، وعليكم بهذه القسي العربية وبها الغنى، فبها يعين الله دينكم ويمكن لكم في البلد» فلا يجوز لأحد لبس شيء من زي العجم في صلاة ولا غيرها، ومن جهل فلبسه في صلاة فقد أساء، ولا إعادة عليه إن كان طاهرا، وبالله التوفيق.

.مسألة استكتاب النصراني:

في أن النصراني لا يستكتب وسئل مالك عن النصراني أيستكتب؟ فقال: لا أرى ذلك، ومن ذلك أن الكاتب يستشار، أفيستشار النصراني في أمر المسلمين وغير ذلك؟ فما يعجبني أن يستكتب.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا متكررا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب السلطان، وهو بين على ما قاله، ومثله في الأقضية من المدونة، ولا ينبغي أيضا أن يستكتب القاضي من المسلمين إلا العدول المرضيين، وبالله التوفيق.

.مسألة النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد الصدقة ويقبل الهدية:

في أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرد الصدقة ويقبل الهدية قال مالك: بلغني أن سلمان أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصدقة في أول الإسلام، فردها عليه، وأتى بهدية فقبلها منه.
قال محمد بن رشد: الفرق في المعنى بين الصدقة والهدية أن الصدقة هي ما يقصد بها المتصدق الإحسان إلى المتصدق عليه والتفضل عليه، والهدية هي ما يقصد بها المهدي إكرام المهدى إليه وإتحافه بالهدية لكرامته عليه ومنزلته عنده إرادة التقرب منه، فالمتصدق يتفضل على المتصدق عليه وليس المهدي يتفضل على المهدى إليه، وإنما المهدى له هو المتفضل على المهدي في قبول الهدية، فنزه الله تبارك وتعالى نبيه عن الصدقة بأن حرمها عليه، وأباح له الهدية لما فيها من صلة المهدي وإدخال السرور عليه بتبليغه، أما ما قصد بهديته إليه فهذا حكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خاصته، لا تحل له الصدقة بوجه من الوجوه، ولا على حال من الأحوال.
وأما آله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنها تحرم عليهم الزكوات والكفارات التي هي أوساخ الناس، يغسلونها عنهم، لا صدقة التطوع جائز للرجل أن يتصدق على من شاء منهم بما شاء من ماله تطوعا.
والأصل في جواز ذلك ما روي «عن ابن عباس قال: قدمت عير المدينة فاشترى منه النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ متاعا فباعه بربح أواق من فضة، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب».
واختلف فيما أخرج الرجل تطوعا من ماله دون أن يجب عليه صدقة للمساكين هل لمفرقها أن يعطي منها لفقراء النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ شيئا ويسوغ لهم ذلك أم لا على قولين، والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة قبول الرجل ما أعطي من غير مسألة:

في قبول الرجل ما أعطي من غير مسألة:
قال مالك: بلغني «أن عمر بن الخطاب رد شيئا أعطيه، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لم رددته؟ فقال: للذي قلت يا رسول الله في العطية، قال: إنما ذلك على وجه المسألة، فأما ما أتى الله به من غير المسألة فإنما هو رزق رزقك» إقيل له: كان في الحديث رخصة.
قال محمد بن رشد: قوله: رد شيئا أعطيه يريد رد شيئا أعطاه النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من مال الله.
وقوله: للذي قلت يا رسول الله في العطية، يريد الحديث الذي جاء حرا «إن خيرا لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا، قالوا: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني».
وقوله فيما أعطي الرجل من غير مسألة أنه رزق رزقه الله دليل على إباحة أخذ الرجل عطية الإمام من بيت المال إذا لم يعلم أن كان المجبى حلالا أو حراما، وليس عليه أن يبحث على ذلك، وكذلك إذا علم أن في المجبى حلالا وحراما له، في ظاهر الحديث رخصة أن يأخذ دون أن يبحث هل أعطاه مما فيه من الحلال، أو مما فيه من الحرام، أو مما اختلط حلاله بحرامه، وقد مضى قبل هذا في رسم الشجرة القول في الأخذ من بيت المال على افتراق أموال المجبى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
تم الجزء الثالث من الجامع والحمد لله.

.كتاب الجامع الرابع:

.نظرالإمام في أمر قد قضى فيه من قبله من الأئمة العدول:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كتاب الجامع الرابع.
في إن الإمام لا ينظر في أمر قد قضى فيه من قبله من الأئمة العدول قال: وكان بين رجلين خصومة من أصحاب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ خرجا من المدينة في أرض لهما حتى ارتفع الشأن بينهما فركب عثمان في ذلك وكانت خصومتهما في زمن عثمان، وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه، فقال عثمان: لا أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الأقضية، ووقعت أيضا في آخر الزكاة الأول من المدونة. وفائدتها والذي فيها من الفقه أن القاضي يستحسن له أن يركب ويقف على الحقوق بنفسه وبمن معه من أهل العلم فيما التبس وأشكل، وقد يكون هذا كثيرا في الضرر وشبهه، ولو أمكنه أن يقف على جميع الأمور بنفسه لكان أحسن، ولكن هذا لا يمكنه فيستنيب من يوجهه مكانه لذلك في الحيازات وشبهها، والواحد يجزئ في ذلك كما قال في المدونة في الذي يرسله لتحليف المرأة، والاثنان أحسن، وإنما رجع عثمان، وترك ذلك لأن المحكوم عليه كان يريد فسخ قضاء عمر فيه، وذلك ما لا يجوز، ففي الحديث من الفقه أن القاضي إذا بلغه أن قاضيا قضى في أمر لم يكن له أن ينظر فيه، وهذا ما لا اختلاف فيه إذا كان القاضي الذي قضى في ذلك الأمر عدلا.
والذي قال ذلك لعثمان هو معاوية، وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب وطلحة ابن الزبير في ضفير بين ضيعتهما كان علي يحب أن يثبت وطلحة يحب أن يزال، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة فيه بين يدي عثمان وهو خليفة، فقال لهما: إذا كان غد ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معاينة، فقال وهما يتنازعا الخصومة في الطريق: لو كان منكرا لأزاله عمر، فكان قوله سبب توجه الحكم لعبد الله على طلحة، فوقف عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والناس معه على الضفير فقال: يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ فقالوا: نعم، قال: فدعوه كما كان أيام عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا، قال: أعانك بالمنافسة، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فرحب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما شئت، فقال: قد قبلت وأنا جئت شاكرا ولي حاجة ولابد من قضائها، فقال له علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسأل حتى أقضيها لك، فقال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مع من فيها من الغلمان والدواب والآلة، فقال علي: قد قبلت، قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرقنا، وقال عبد الله: فوالله لا أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس، أعلي إذ جاء بالضفير؟ أم طلحة إذ جاء بالضيعة بعرصته بمسناة.
روي عن الشعبي أنه قال: أول من جرى جريا أي وكل وكيلا من الصحابة علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له: لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحما، قال عبد الله: فنازعني طلحة في ضفير كان بين ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، ثم ساق بقية الحكاية وإن كان فيها بعض الخلاف لحكاية مالك بالمعنى المقصود منها، وهو استحسان ركوب القاضي فيما أشكل، ووجوب إمضاء أحكام من قبله لا خلاف فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة دخول أهل الفضل الأسواق:

في جواز دخول أهل الفضل الأسواق ومقاربتهم في البيع والشراء وسئل مالك عن الرجل له فضل وصلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب لذلك لفضله أو لحاله، قال: لا بأس بذلك، وقد كان عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يدخل السوق، وسالم بن عبد الله إن كان ليقعد في سوق الليل ويجلس معه رجال وإن كان الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر أمن جلسائك؟ فقيل له: ما بال الحرس؟ قال: يطردون عنه أهل السفه والعبث.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال من أن مقاربة أهل الأسواق الرجل فيما يشتريه منهم لفضله وخيره سائغ له لا بأس به؛ لأن ذلك شيء كان منهم إليه دون سؤال منه، فهو رزق رزقه الله إياه على ما جاء في الحديث الذي مضى قبل هذا بيسير في هذا الرسم.
وأما جواز دخول الأسواق والمشي فيها فكفى من الحجة في جواز ذلك قول الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] ردا لقول المشركين: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] الآية.
ووقع في بعض الكتب أمن جلسائك، والمعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم لمجالستهم إياه، فهم آمنون، ومعنى أمن؟ في داخل الكتاب الاستفهام في الرجل هل هو من جلسائك فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه وجلساءه، وبالله التوفيق.

.مسألة التورع عن العطاء:

في التورع عن العطاء قال مالك: قد كان رجال ببلدنا هذا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يعطونها، حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه، يعني بذلك إذا كان يرى أن له عنها غنى.
قال محمد بن رشد: يريد بالعطية العطية من بيت المال، والله أعلم.
وفي قوله: حتى إن كان بعضهم ليؤامر نفسه نظر؛ لأن الذي يرد العطية ولا يؤامر نفسه في ذلك أزهد فيها من الذي يؤامر نفسه في أخذها أو ردها، وحتى غاية تدل على أنه أراد أن منهم من يربي في الزهادة والعبادة على الذين يردونها ولا يقبلونها، فكان وجه الكلام أن يقول، حتى إن كان بعضهم لا يؤامر نفسه في قبولها فيردها، وإن كان يرى أنه لا غنى به عنها.
وردهم إياها يحتمل أن يكون زهادة فيها مع جواز أخذها لهم لا كراهة فيها إذا كان المجبى حلالا، وقسم بوجه الاجتهاد دون مأثرة ومحابات، وهذا نهاية في الزهد والفضل؛ لأنه يترك حقه الجائز له أخذه ويؤثر فيه غيره ممن يعطاه، وإن كانت به حاجة إليه، فمن فعل ذلك كان من الصنف الذين أثنى الله تبارك وتعالى عليهم بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وإن كان المجبى حلالا ولم يعدل في قسمته فمن أهل العلم من يكره الأخذ منه، وأكثرهم يجيزه.
وأما إن كان المجبى يشوبه حلال وحرام فمن أهل العلم من يجيز الأخذ منه وأكثرهم يكرهه.
وأما إن كان المجبى حراما فمن أهل العلم من حرم الأخذ منه وروي ذلك عن مالك، ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه وهم الأكثر، وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصدقات والهبات لتكرر الحكاية هناك ومضى من هذا المعنى في رسم الشجرة قبل هذا من هذا الكتاب، ومضى في آخر سماع سحنون من كتاب الشهادات القول فيه مستوفى، ومضى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات استحباب ترك الرجل قبول ما وصل به، وبالله التوفيق.

.مسألة شدة خشية عمر:

في شدة خشية عمر السؤال قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه.
قال محمد بن رشد: هذا من عمر بن الخطاب نهاية في الخوف لله؛ لأن مثل هذا لو وقع لم يؤاخذه الله به، إذ لم يكن بتضييع منه ولا إهمال، ومن بلغ هذا الحد من الخشية فهو من الفائزين، قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أول من استقضي:

في أول من استقضي ومجلس القاضي للحكم قال: وسئل مالك: عن أول من استقضي، قال: معاوية بن أبي سفيان، قيل له: أفرأيت شريحا؟ قال: كذلك يقول أهل العراق، ونحن ننكر ذلك، وإني لأنكر ذلك من قولهم.
قيل له: يا أبا عبد الله أفترى للقاضي أن يجلس في المسجد؟ قال: نعم، وذلك من أمر الناس القديم، ويستحسن ذلك، ولقد كان قاضي عمر بن عبد العزيز وابن خلدة وغيره يجلسون في المسجد يقضون فيه، وما زال ذلك شأن الناس، وإني لأرى فيه خيرا، وأفضل الناس يدخلون ولا يغلق دونهم باب، وهل للقاضي أن يرضى بالدون من المجلس؟
قال محمد بن رشد: إنكار مالك لما قاله أهل العراق من أن شريحا كان قاضيا لعمر بالعراق يدل على أنه أراد أن معاوية أول من استقضي بموضعه الذي هو فيه لاشتغاله بما سوى ذلك من أمور المسلمين كبعث البعوث وسد الثغور وفرض العطاء وقسم الفيء وما أشبه ذلك، فقد ولى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على ما ذكر قضاء البصرة أبا مريم الحنفي ثم عزله، وولي كعب بن سور اللقيطي فلم يزل قاضيا حتى قتل عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وولي شريحا قضاء الكوفة.
وأما استحسانه أن يكون جلوس القاضي للحكم بين الناس في المسجد للمعاني التي ذكرها من التواضع بالرضا بالدون من المجلس، وأن يصل إليه القوي والضعيف ولا يحجب عنه أحد فهو قوله في المدونة وغيرها والماضي من فعل السلف الصالح المقتدى بهم، فقد جاء في بعض الآثار: أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بلغه أن أبا موسى الأشعري رَحِمَهُ اللَّهُ يقضي بالعراق في دار سكناه فبعث رسولا إليه من المدينة وأمره أن يضرمها نارا، فدخل الرسول العراق ووافي أبا موسى الأشعري في الدار يقضي، فنزل عن بعيره وأوقد النار في بابها فأخبر أبو موسى بذلك، فخرج فازعا، فقال له: ما بالك؟ فقال: أمرني أمير المؤمنين بأن أضرمها عليك نارا لالتزامك القضاء فيها، ثم انصرف الرسول من فوره ذلك، ولم يعد أبو موسى إلى القضاء في داره، وبالله التوفيق.

.مسألة قدوم الرجل على أهله عشاء:

في قدوم الرجل على أهله عشاء وسئل مالك: عن الذي يقدم العشاء على أهله، أترى أن يأتيهم تلك الساعة؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد جاء عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من رواية جابر بن عبد الله، قال: «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يطرق أهله ليلا» خرجه البخاري، وعن أنس بن مالك قال: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يطرق أهله، وكان لا يدخل إلا غدوة أو عشية». وفي بعض الآثار: «نهى أن يأتي الرجل أهله طروقا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة». فمعنى قول مالك: لا بأس بذلك- أي: لا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وإن كان قد أتى مكروها؛ لأنه رأى النهي الوارد في ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ نهي أدب وإرشاد، لا نهي تحريم، وبالله التوفيق.

.مسألة إقامة الحدود في المسجد:

في كراهية إقامة الحدود في المسجد وإجازة الأدب اليسير فيه وسئل مالك: عن القاضي يعاقب الرجل في المسجد بالأسواط، قال: لا أرى بذلك بأسا، وكره أن تضرب فيه الحدود وما كثر فيه الضرب من الأدب وإن لم يكن حدا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها، والذي قاله مالك من أنه لا يضرب في المسجد الحد ولا ما كثر من الضرب هو نحو ما حكاه البخاري عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب في تبويبه، وأقامه من الحديث الذي خرجه فيه، وذلك أنه بوب: من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام، وقال عمر: أخرجاه من المسجد واضرباه، ويذكر عن علي نحوه، ثم ساق حديث أبي هريرة، قال: «أتى رَجَلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما شهد على نفسه أربعا، قال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: اذهبوا به فارجموه». وقد روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم، وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم». فهذا كله مما يجب أن تنزه عنه المساجد لقول الله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36].
ويكره رفع الصوت فيها حتى في العلم، وقد بنى عمر بن الخطاب رحبة في مؤخر المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو يشعر، ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، وبالله التوفيق.

.مسألة حلق وسط الرأس والقفا:

في حلق وسط الرأس والقفا واستئصال الشارب والأخذ من اللحية وسمعت مالكا: يكره حلق وسط الرأس للمحجمة، فقد ذكر مالك:
وجه الكراهية في ذلك وهو التشبه بالنصارى الذين يفحصون عن أوساط رءوسهم من الشعر على ما جاء في ما أوصى به أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام، فقال له: إنك ستجد أقواما فحصوا عن أوساط رءوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف.
وأما حلق القفا فكرهه مالك إذ لم يرد في حلقه أثر يتبع يراه مثله، وقربا عنده من فعل النصارى الذين يحلقون مؤخر رءوسهم.
وأما استئصال الشارب فاختلف أهل العلم فيه لما جاء من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحى». والإحفاء الاستئصال بالحلق، فحمله جماعة من العلماء على ظاهره وعمومه، منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما، فقالوا: إحفاء الشواب أفضل من قصها، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، فكان يحفي شاربه إحفاء شديدا، ويقول: السنة فيه أن يحفى؛ كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحفوا الشوارب».
وذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أن السنة أن يقص ويؤخذ منه حتى يبدو أطراف الشفة الإطار ولا يستأصل جميعه بالحلق، لأنه روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، وأنه قال: «خمس من الفطرة، فذكر منها قص الشارب»، فجعل ذلك من قوله: فينا لأمره بإحفاء الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار لا جميعه.
وقوله صحيح؛ لأن استعمال الأحاديث وحمل بعضها على التفسير لبعض أولى من الأخذ ببعضها والاطراح لسائرها، لاسيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها والأخذ منها وألا تعفى كما يفعل باللحى، وهو دليل واضح، ولذلك قال مالك: إن حلق الشارب مثله، وحكم له في رسم الجامع من سماع أشهب من كتاب السلطان بأنه بدعة، ورأى أن يؤدب من فعل ذلك؛ لما فيه من تقصير المتقدم في مخالفتهم ظاهر الحديث والجهل به، وهم ما جهلوه ولا خالفوه، لكنهم تأولوه على ما تأوله عليه مالك رَحِمَهُ اللَّهُ، ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من السلف المتقدم، وقد قال بعض المتأخرين: إن الشارب لا يقع إلا على ما يباشر به شرب الماء وهو الإطار، فذلك هو الذي يحفى.
والصحيح أن الشارب ما عليه الشعر من الشفة العليا إلا أن المراد بإحفائها إحفاء بعضها وهو الإطار منها، لا إحفاء جميعها بدليل الحديثين الأخيرين، وقد روي عن ابن القاسم أنه كان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويقول: تفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إحفاء الشارب إنما هو الإطار، والأظهر أن ذلك ليس بمكروه، وأنه مستحسن، فيقص الشارب لما جاء في الحديث من أن قصه من السنة، ويحفى الإطار منه لما جاء في الحديث من الأمر بإحفاء الشوارب.
وما استحسنه مالك من أن يؤخذ من اللحى إذا طالت جدا حسن ليس فيه ما يخالف أمر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ بإعفائها، بل فيه ما يدل على ذلك بالمعنى، لأنه إنما أمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعفاء اللحى لأن حلقها أو قصها تشويه ومثله، وكذلك طولها نعما سماجة وشهرة، ولو ترك بعض الناس الأخذ من لحيته لانتهت إلى سرته أو إلى ما هو أسفل من ذلك، وذلك مما يستقبح، وبالله التوفيق.

.مسألة صفة المؤمن:

في صفة المؤمن قال مالك: المؤمن يسير المؤنة حسن المعونة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن هذه هي صفة المؤمن الممدوح إيمانه، ومنها أن يكون حسن السمت هينا لينا مكرما لجاره وضيفه لا ينطق إلا بخير ويسارع إلى فعل الخير، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة» الحديث.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»، إن المؤمن يزهد في الدنيا ولا يستكثر منها، ويطوي بطنه عن جاره ويؤثر على نفسه، والكافر يرغب في الدنيا ويستكثر منها ولا يؤثر على نفسه فيها، وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء في بلال رضي الله عنه:

في ما جاء في بلال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وسمعت مالكا يذكر أنه بلغه: أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال لبلال: «يا بلال، إني دخلت الجنة فسمعت خشفا أمامي»، وقال: الخشف الوطء، «فقلت: من هذا؟ فقالوا: بلال، فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى».
قال محمد بن رشد: بلال هذا هو بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق، كان يعذب على دينه، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فكان له خازنا ولرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذنا، فأذن له حتى توفي، ثم أذن لأبي بكر حياته، ولم يؤذن في زمن عمر، فقال له: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض؛ لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «يا بلال، ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله»، فخرج مجاهدا، ويقال: إنه أذن لعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا دخل الشام مرة فبكى عمر وغيره من المسلمين، وروي: أنه كان يؤذن لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما مات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله عز وجل، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات.
ورؤية النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ إياه في الجنة شهادة منه له بها؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وبكاؤه إذا ذكر ذلك كان شوقا لله وتوقا إلى لقائه، وبالله التوفيق.